فخر الدين الرازي
231
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 180 ] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) الحكم الخامس [ في قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ] اعلم أن قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ يقتضي الوجوب على ما بيناه ، أما قوله : إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فليس المراد منه معاينة الموت ، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزا عن الإيصاء ثم ذكروا في تفسيره وجهين الأول : وهو اختيار الأكثرين أن المراد حضور أمارة الموت ، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة ، يقال فيمن يخاف عليه الموت : إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل والثاني : قول الأصم أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا : إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي : والقول الأول أولى لوجهين أحدهما : أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني : أن ما ذكرناه هو الظاهر ، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره . أما قوله إِنْ تَرَكَ خَيْراً فلا خلاف أنه المال هاهنا والخير يراد به المال في كثير من القرآن / كقوله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ * [ البقرة : 272 ] وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ [ العاديات : 8 ] مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ وإذا عرفت هذا فنقول : هاهنا قولان : أحدهما : أنه لا فرق بين القليل والكثير ، وهو قول الزهري ، فالوصية واجبة في الكل ، واحتج عليه بوجهين : الأول : أن اللّه تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيرا ، والمال القليل خير ، يدل عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن فقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] وأيضا قوله تعالى : لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص : 24 ] وأما المعقول فهو أن الخير ما ينتفع به ، والمال القليل كذلك فيكون خيرا . الحجة الثانية : أن اللّه تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر ، بدليل قوله تعالى : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [ النساء : 7 ] فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية . والقول الثاني : وهو أن لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير ، واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن من ترك درهما لا يقال : إنه ترك خيرا ، كما يقال : فلان ذو مال ، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة ، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير ، وكذلك إذا قيل : فلان في نعمة ، وفي رفاهية من العيش . فإنما يراد به تكثير النعمة ، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة اللّه ، وهذا باب من المجاز مشهور وهو نفي الاسم عن الشيء لنقصه ، كما قد روي من قوله : « لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد » و قوله : « ليس بمؤمن من باب شبعانا وجاره جائع » ونحو هذا . الحجة الثالثة : لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك ، سواء كان قليلا ، أو كثيرا ، لما كان التقييد بقوله : إِنْ تَرَكَ خَيْراً كلاما مفيدا ، لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئا ما ، قليلا كان أو كثيرا ، أما الذي يموت عريانا ولا يبقى معه كسرة خبر ، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته ، فذاك في غاية الندرة ، فإذا ثبت أن المراد هاهنا من الخير المال الكثير ، فذاك المال هل هو مقدر بمقدار معين محدود أم لا فيه قولان :